جريدة غزل
الوصول صعب ولكن معًا نستطيع. .. جريدة غزل لدعم الكُتاب عن طريق نشر كتاباتهم بأنواعها لتصل إلى القُرَّاء بسهولة، لمؤسستها سها عبد النبي، تحت إشراف تطبيق وجريدة لَحْظة.
"إرتواء ممتنع"
"أبتعدي عني لا أريدك" صرخت بها لتدلف إلي غرفتها تغلق الباب خلفها لتفجع بالبكاء
غطت وجهها الصغير بكفيها تخفي شهقاتها وسمحت لجسدها أن يتهاوى إلى الباب الذي لم يتوقف عن الطرق
طرقت والدتها الباب بتوتر وهي تحدثها بصوتٍ خافت متهدج
"عزيزتي أنا آسفة، فقط أفتحي الباب"
جاءها صوتها الصغير الباكي يصرخ بقوة مزعومة
"لن أفعل، أنا أكرهكِ، أكره أن لا شئ يرضيكِ، سأقتل نفسي حتي ترتاحين من عنائك معي"
"إبنتي أرجوكِ أفتحي الباب انا آسفة لم أقصد أن أصرخ في وجهك" قالتها برجاء وهي تدق الباب بنفس التوتر
غاب عن مسمعها صوت الطرقات المتوترة، لكنه لم يمنع الصغيرة عن البكاء، كما لم يمنعها الطرق أيضًا!
هذا ما أعتاداه منذ فترة؛ ففي كل مرة يتشاجران فيها؛ يصرخان ثم تلتجأ الصغيرة إلي غرفتها لتنشج وتبكي وتصرخ دون أن يزيد والدتها هذا إلا إكبارًا ومعاندة وآلم!
أستمر نشيجها لثوانٍ والدموع تنسدل من عينيها كباقي زمرد تفرق في صحراء قاحلة كالمنزل الذي يقبعان فيه، أخرجت شهقاتها لعلها بذلك تنتزع بعضًا من السهام التي أخترقت جسدها فشوهته، وأندلعت في روحها فأحرقتها وأفقدتها الثقة؛ لتحاول دموعها البريئة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حديقة قلبها وبراءة طفولتها التي حُرمت منها، أو هكذا أخبروها لترضى وتنصاع كباق الأطفال الشيب بما عليه نشأتها ونشأتهم جميعًا..
هل تلتفت والدتها لما تفعله بها؟!، أم أن فقط الديون الكثيرة وأحتياجات المنزل التي لا تنضب هما من يأخذن الحيز الأكبر من تفكيرها، هل ذلك لأنها تعيش في غرفة صغيرة مع أخوة كُثر، أم هل لأنهم عائلة بسيطة تسعي لقضاء أحتياجات يومها دون الألتفات أبدًا لما يسمونه الصحة النفسية!
"بنيتي.." أردفت بها جزعة لتقتضم غصة حلقها باقي الحروف قبل أن تردف لصغيرتها بصوتٍ حزينٍ باكِ جعل عينيها الصغيرتين تتوهجان بمزيجٍ من الحزن والحنين
"أنا آسفة" سمعتها الصغيرة لتقوس شفتيها بقوة تصارع البكاء بالضغط علي تنورتها في توتر وجزع
"أنا أمر بضغوطات صعبة، أنا آسفة هل تسامحينني؟!" قالتها الأم التي تتحسس باب الغرفة تنساب عبراتها الحارقة علي وجنتيها
فُتح الباب لتنظر والدتها إلي هذا الجسد الصغير ذو التنورة الوردية الذي ظهر من خلفه، طأطأت صغيرتها رأسها آسي وحزن وربما خجل لتسرع الأم بالأنحناء لأحتضانها، ضمتها إلى صدرها لتربت علي شعرها وكتفيها وتقبلها بحنان تنساب منها بضع دموع أخرى لم تمنح لنفسها جهدًا لتحفظهم في جوف عينيها
"ليس لي في الدنيا سواكِ"
همست بها إلي أبنتها وهي تطلع إلى ملامح وجهها الساكنة، هل كانت تحتاج ضمة واحدة لتهدئ؟!، هل كان أمر عصبيتها وتطفلها وضجرها المستمر بسبب نقص العطف وأنخفاض الأهتمام التي تحتاجه طفلة في مثل سنها، هل غضبها الزائد مجرد قتاع ثقة لا يلبث إلا ويسقط معلنًا عن إنهياره أمام غضبة واحدة ونبرة صوتٍ مرتفعة!
..................
"هل يأتي اليوم الذي تقتلنا فيه الكلمات، أن تظل الأحرف المُقالة داخل حواسنا، فنسمع ونري ونتحدث بماضينا، هل تحركنا روح الطفل بداخلنا، وهل هذا الطفل الذي سجن بداخلنا سبق وأن تحرر؟؛ أم أنه بقى عاجزًا أمام الصراخ والنبرات الجافة، هل سنتمكن من فعل شئٍ جديد دون أن يصرخ علينا صوتٌ يألا نفعل!، أو هل نُقدِم علي مشروعٍ أو تحدٍ فنجد نفس الصوت يحادثنا بحزم أننا سنفشل!"
على صوتها مرة أخرى بنبرة تشجيعية اكتسبتها من والدتها لتتحدث يرن صدي صوتها في المدرجات التي عجت بالطلاب والأساتذة وهي تنظر في تلك العين الحانية التي تراقبها بأهتمام
"أريد أن أشكر والدتي أولًا، لقد كانت بجانبي خطوةٍ بخطوة في رسالتي عن تأثر نفسية الأطفال بمعاملة الأمهات وعن كيفية زيادة الوعي لديهن، لقد علمتني أن الآباء لا يصرخون إلا شعورًا بالذنب عجزًا عن تقديم أحتياجات أولادهم، وأنهم لا يتضجرون منهم إلا خوفًا علي صالحهم ورغبة في جعلهم أفضل، وأخيرًا شكرًا للجميع"
أنهت خطبتها لتعالي التصفيق في القاعة بينما تتقدم منها إمرأة في عينيها رقرقة دموع لتحتضنها تلك الفتاة وقد قررت دموع الفرح خاصتها أن تتحرر بينما تعود ذاكرتها لتلك الطفلة التي كانت تبكي في الغرفة، لقد كانت هي لكنَّ كل شئ تغير منذ ذلك الحين، صارت هي لكن بدت أن روحها حلقت في السماء فرحًا وغبطة منذ ذلك اليوم، لقد كانت والدتها من ساعدتها علي تخطي كل عسير وتذليل كل صعب
"لم تجيبيني" قالتها والدتها تقطع العناق بنظرة حانية
"عن أي شئ؟!"
"عندما كنتِ صغيرة، آخر مرة تشاجرنا فيها كنتي في التاسعة سألتكِ حينها إن كنتي سامحتني ولم تجيبي"
أغمضت عينيها لتتسع أبتسامتها وهي تستقر في أحضان والدتها مجددًا وكأنها لا تريد قطع تلك اللحظة؛ لتردف بهدوء تغمض عينيها بفرح وسكينة
"لا أذكر أيًا من هذا، كل ما أذكره أنني أحبكِ، شكرًا لأنكِ لم تتركيني أبكي ذلك اليوم"
_هايدي وائل حربي
التصنيف
نصوص
